محمد أبو زهرة

1939

زهرة التفاسير

ثانيها - تعريف الطرفين وهم أولئك الجاحدون بالإشارة ، والحكم بأنهم الكافرون أكد القول ، وأفاد من قبيل المبالغة في تأكيد الوصف بالكفر ، كأن الكفر مقصور عليهم لا يخرج عنهم ، وهم بذلك أوغل في الكفر من الذين لا يؤمنون بكتاب ولا رسول ولا رسالة ؛ إذ هم يسلمون بالأصل ويعرفونه ، ويكفرون مع ذلك به ، ولا يطبقونه . ثالثها - التعبير بكلمة حَقًّا ، أي أن كفرهم ثابت قد ثبت وحق حقا ، وقد قال الزمخشري في تخريج هذه الكلمة « أي هم الكاملون في الكفر ، وحقا تأكيد لمضمون الجملة كقولك هو عبد الله حقا أي حق ذلك حقا وهو كونهم كافرين ، أو صفة لمصدر الكافرين ، أي هم الذين كفروا كفرا حقا ثابتا يقينا لا شك فيه » . ولما ذا كان ذلك التوكيد ؟ والجواب عن ذلك أن التوكيد يكون حيث مظنة التردد في عقول الذين قالوا ذلك القول ، فقد حسبوا بقولهم وإرادتهم أنهم يرضونه بذلك فبين الله سبحانه أنه لا وسط بين الإيمان الكامل والكفر في شئ ، وخصوصا أن جحود هؤلاء ببعض الرسل انبعث من حقد دفين ، وتفريقهم بين الأجناس ، حتى في مقام الرسالة ، وقد قال تعالى : . . . اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ ( 124 ) [ الأنعام ] . وإنهم بهذا الكفر يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ؛ إذ إنها كانت في اليهود وأشباههم الذين رفضوا محمدا ، لأنه عربى ، وليس بعبرى ، وحيث كان التردد في عقل وجب تأكيد الحق ، ليزول التردد ، ويتبع التابع عن بينة ويقين ؛ وقد ذكر الله تعالى عقاب هؤلاء ، وأمثالهم فقال : وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً . والمعنى هيأنا للكافرين الذين يندرجون في جمعهم عذابا مهينا يذيقهم الهوان والذل ، كفاء استكبارهم في الدنيا ، واعتزازهم بالباطل فيها ، ويصح أن يقال إن كلمة ( الكافرين ) لا تعم كل الكفار ، ولكنها تخص الذين ذكروا في الآية السابقة ؛ لأن اللفظ إذا أعيد معرفا كان المراد به المذكور أولا ، ويكون تخصيصهم بالذكر ، لبيان نتيجة ما ارتكبوا وما فرقوا به بين رسله سبحانه . وهنا بحث لفظي في لفظ « أَعْتَدْنا » ، وهو تعبير قرآني اختص القرآن به ؛ لأن اعتد من العتاد ، والتخريج اللفظي هيأنا لهم عتادا هو عذاب جهنم . وقد قال في ذلك